مجمع البحوث الاسلامية
431
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الحكم . والثّاني : الّذين قالوا : الإحصار اسم لمطلق الحبس ، سواء كان حاصلا بسبب المرض أو بسبب العدوّ . وعلى هذا القول حجّة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضا ، لأنّ اللّه تعالى علّق الحكم على مسمّى الحصار ، فوجب أن يكون الحكم ثابتا عند حصول الإحصار ، سواء حصل بالعدوّ أو بالمرض . وأمّا على القول الثّالث : وهو أنّ الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدوّ ، فهذا القول باطل باتّفاق أهل اللّغة ، وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدوّ بجامع دفع الحرج ، وهذا قياس جليّ ظاهر . فهذا تقرير قول أبي حنيفة رضى اللّه عنه ، وهو ظاهر قويّ . وأمّا تقرير مذهب الشّافعيّ رضى اللّه عنه ، فهو أنّا ندّعي أنّ المراد بالإحصار في هذه الآية : منع العدوّ فقط ، والرّوايات المنقولة عن أهل اللّغة معارضة بالرّوايات المنقولة عن ابن عبّاس وابن عمر . ولا شكّ أنّ قولهما أولى لتقدّمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللّغة وفي معرفة تفسير القرآن ، ثمّ إنّا بعد ذلك نؤكّد هذا القول بوجوه من الدّلائل : الحجّة الأولى : أنّ الإحصار « إفعال » من الحصر ، والإفعال تارة يجيء بمعنى التّعدية نحو : ذهب زيد وأذهبته أنا ، ويجيء بمعنى : صار ذا كذا ، نحو : أغدّ البعير إذا صار ذا غدة ، وأجرب الرّجل إذا صار ذا إبل جربى . ويجيء بمعنى وجدته بصفة كذا ، نحو : أحمدت الرّجل ، أي وجدته محمودا . و « الإحصار » لا يمكن أن يكون للتّعدية ، فوجب إمّا حمله على الصّيرورة أو على الوجدان . والمعنى : أنّهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين . ثمّ إنّ أهل اللّغة اتّفقوا على أنّ المحصور هو الممنوع بالعدوّ لا بالمرض ، فوجب أن يكون معنى « الإحصار » هو أنّهم صاروا ممنوعين بالعدوّ ، أو وجدوا ممنوعين بالعدوّ ؛ وذلك يؤكّد مذهبنا . الحجّة الثّانية : أنّ الحصر عبارة عن المنع ، وإنّما يقال للإنسان : إنّه ممنوع من فعله ، ومحبوس عن مراده ، إذا كان قادرا عن ذلك الفعل متمكّنا منه ، ثمّ إنّه منعه مانع عنه . والقدرة : عبارة عن الكيفيّة الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء ، وذلك مفقود في حقّ المريض ، فهو غير قادر ألبتّة على الفعل ، فيستحيل الحكم عليه بأنّه ممنوع ، لأنّ إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضى . أمّا إذا كان ممنوعا بالعدوّ فهاهنا القدرة على الفعل حاصلة ، إلّا أنّه تعذّر الفعل لأجل مدافعة العدوّ ، فصحّ هاهنا أن يقال : إنّه ممنوع من الفعل ، فثبت أنّ لفظة « الإحصار » حقيقة في العدوّ ، ولا يمكن أن يكون حقيقة في المرض . الحجّة الثّالثة : أنّ معنى قوله : ( أحصرتم ) أي حبستم ومنعتم ، والحبس لا بدّ من حابس ، والمنع لا بدّ له من مانع ، ويمتنع وصف المرض بكونه حابسا ومانعا ، لأنّ الحبس والمنع فعل ، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلا ، لأنّ المرض عرض لا يبقى زمانين ، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا . وأمّا وصف العدوّ بأنّه حابس ومانع ، فوصف حقيقيّ ، وحمل الكلام على حقيقة أولى من حمله مجازا .